تنطلق هذه الورقة من أن التربية اللغوية العربية في المجتمع العربي-الفلسطيني في إسرائيل تواجه أزمة بنيوية تمسّ مكانة العربية بوصفها لغة تعلّم ومعرفة وهوية وحقًّا ثقافيًّا. وتتجاوز هذه الأزمة حدود التدنّي في التحصيل اللغوي، أو أوجه القصور التي يمكن احتواؤها ببرامج علاجية محدودة. فشروط تعليم العربية واستعمالها تتحدّد داخل سياق لغوي وتربوي ومؤسسي غير متكافئ؛ تحضر فيه العبرية بثقلها القانوني والوظيفي، وتتعزّز فيه مكانة الإنجليزية في التعليم العالي وسوق العمل، فيما تواجه العربية تحديات داخلية مرتبطة بازدواجيتها اللسانية وبالفجوة بين المحكية والمعيارية. ومن ثمّ، تتعامل الورقة مع هذا الواقع بوصفه نتاجًا لتفاعل بنيوي بين المكانة اللغوية، وشروط التعلّم، والبنى المؤسسية الناظمة لها.
وتُظهر المؤشرات المحلية والدولية ضعفًا تراكميًّا في الكفايات اللغوية والقرائية لدى التلاميذ العرب، واتساع الفجوات بينهم وبين أقرانهم الناطقين بالعبرية. وتقرأ الورقة هذه المعطيات في ضوء اختلالات الحوكمة والبيئة اللغوية والتربوية والمؤسسية، بما يحدّ من فرص المتعلمين في ترسيخ قدرات لغوية وقرائية متينة.
يُبيّن التشخيص أن أزمة التربية اللغوية العربية تتشكّل عند تقاطع ثلاث دوائر بنيوية مترابطة. تتمثّل الأولى في اختلال مكانة العربية وحوكمتها المؤسسية، بفعل ضعف السياسة اللغوية وتشتّت المرجعيات وغياب إطار مهني ملزم يترجم قيمتها الثقافية والهوياتية إلى أهداف ومعايير للجودة وآليات للتخطيط والتنفيذ والمتابعة…




